الشريف المرتضى
87
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
ويعدّ ذلك من فصيح الكلام ، لأنّ الفصيح - كما يقول - ينتقل من خطاب مخاطب إلى غيره ، فالكلام واحد متّصل بعضه ببعض والخطاب منتقل من واحد إلى غيره . وهذا الّذي ذكره المرتضى هو ما عرف في الدراسات البلاغية المتأخّرة « بالالتفات » ، ويعنون به : « العدول عن الغيبة إلى الخطاب أو على العكس » « 1 » ، وهذا - كما يرى الزمخشري - يجري على عادة افتتان العرب في الكلام ، وتصرّفهم فيه ، ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب « كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع ، وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد » « 2 » . ولم يكتف المرتضى بهذا الرأي الّذي يرجحه العقل ويؤيّده السياق ، ولكنّه - وربّما بدافع الحرص على تنزيه الأنبياء - يتكلّف من الآراء ما يأباه السياق وتتابع الآيات ، فيقول في توجيه الآية السابقة : منها أن تكون الهاء في قوله تعالى : جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ راجعة إلى الولد لا إلى اللّه تعالى ، ويكون المعنى : إنّهما طلبا من اللّه تعالى أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطلبتين ، ويجري هذا القول مجرى قول القائل : طلبت منّي درهما فلمّا أعطيتك شركته بآخر ، أي طلبت آخر مضافا إليه ، فعلى هذا الوجه لا يمتنع أن تكون الكناية من أوّل الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحوّاء عليهما السّلام » « 3 » . وهذا الرأي لا يرجحه السياق ، فقد جاء بعد الآية السابقة مباشرة قوله تعالى : أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ « 4 » ، وفي هذا دلالة على أنّ المراد في الآية الأولى هو الإشراك باللّه تعالى دون الإشراك في الطلب ، واللّه أعلم بمراده . سياق الحال : ويراد به الأحوال والظروف والملابسات الّتي تصاحب النصّ وتحيط به ، أو قل هو « كلّ ما يحيط باللفظه من ظروف تتّصل بالمكان أو المتكلّم أو
--> ( 1 ) نهاية الإيجاز : 112 . ( 2 ) الكشّاف ، 1 : 64 . ( 3 ) تنزيه الأنبياء : 19 . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 191 .